الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

162

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأنعام [ 92 ] . ووصفه بالمصدر في قوله : وَهُدىً مبالغة لأنّه سبب هدى . وجعل هدى للعالمين كلّهم : لأنّ شهرته وتسامع النّاس به ، يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه ، وأنّه لتوحيد اللّه ، وتطهير النّفوس من خبث الشرك فيهتدي بذلك المهتدي ، ويرعوي المتشكك . ومن بركة ذاته أنّ حجارته وضعتها عند بنائه يد إبراهيم ، ويد إسماعيل ، ثمّ يد محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا سيما الحجر الأسود . وانتصب مُبارَكاً وَهُدىً على الحال من الخبر ، وهو اسم الموصول . وجملة فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ استئناف ثناء على هذا البيت بما حفّ به من المناقب والمزايا فغيّر الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالا ، فتعطف على الحالين قبلها ، لأنّ مباركا وهدى وصفان ذاتيّان له ، وحالان مقارنان ، والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة ، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنّها جملة وما قبلها مفردان ولئلّا يتوهم أن الواو فيها واو الحال ، فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو ، على ما حقّقه الشّيخ عبد القاهر ، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال ، فكرهت في السمع ، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس ، أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنّها جملة ، فاستغنت بالضّمير عن رابط العطف . ووصف الآيات ببيّنات لظهورها في علم المخاطبين . وجماع هذه الآيات هي ما يسّره اللّه لسكّان الحرم وزائريه من طرق الخير ، وما دفع عنهم من الأضرار ، على حالة اتّفق عليها سائر العرب ، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم ، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم . وأعظمها الأمن ، الّذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تديّنهم ، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء ، وتواضع مثل هذا بين مختلف القبائل ، ذات اختلاف الأنساب والعوائد والأديان ، آية على أنّ اللّه تعالى وقر ذلك في نفوسهم . وكذلك تأمين وحشة مع افتتان العرب بحبّ الصّيد . ومنها ما شاع بين العرب من قصم كلّ من رامه بسوء ، وما انصراف الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا آية من آيات اللّه فيه . ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك . وافتداء اللّه تعالى إياه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم - عليه السّلام - قربانه . ومنها ما شاع بين العرب